أُسس القانون الدولي في الأصل ليكون المنظومة السامية التي تحفظ العدالة، وترسخ قواعد السلم والأمن العالميين. كان يُفترض به أن يكون درعاً يحمي الضعفاء من بطش الأقوياء، إلا أنه يجد نفسه اليوم غارقاً في مستنقع عميق من النفاق وازدواجية المعايير، مما يجعله يفقد بريقه تدريجياً في عيون المجتمع الدولي.
في قاعات المحاكم الدولية الكبرى وساحات الأمم المتحدة، تقف الدول العظمى بصرامة لتقمص دور "حارس الفضيلة"، حيث توجه أصابع الاتهام للدول الأخرى بانتهاك قواعد القانون الدولي، وتطالب بتوقيع أقصى العقوبات والمحاسبة الفورية.
ولكن المفارقة تكمن في أنه عندما ترتكب هذه الدول العظمى (أو حلفاؤها المقربون) نفس الانتهاكات والجرائم، يقف العالم بأسره عاجزاً وهو يشاهد كيف تتبخر المحاسبة، وكيف يُلوى عنق القانون ليمنحهم حصانة مطلقة وإفلاتاً تاماً من العقاب.
لم يعد القانون الدولي يُطبق بنصوصه المجردة، بل أصبح خاضعاً لأهواء المصالح الجيوسياسية. هذه المصالح السياسية والاقتصادية تمتلك القدرة على توجيه بوصلة ردود الأفعال الدولية؛ فنجد أن انتهاكاً معيناً قد يُدان بشدة وتُحرك من أجله الجيوش إذا كان يتعارض مع مصالح الكبار، بينما يُتجاهل انتهاك أبشع منه تماماً إذا كان مرتكبه حليفاً استراتيجياً.
تم تصميم قرارات منظمة الأمم المتحدة، وخاصة تلك الصادرة عن مجلس الأمن، لتكون قرارات ملزمة تهدف إلى إنهاء النزاعات وإحلال السلام. ومع ذلك، نرى العشرات من هذه القرارات تُحفظ في الأدراج وتبقى حبراً على ورق دون أي آلية حقيقية لفرضها، مما يؤدي في النهاية إلى إطالة أمد الصراعات وتكريس معاناة الشعوب المستضعفة لعقود.
يراقب العالم بأسره، وفي كثير من الأحيان بإحباط وغضب شديدين، هذه الفجوة الشاسعة والتناقض الفج بين المبادئ الأخلاقية المكتوبة للقانون الدولي، وبين تطبيقها الانتقائي على أرض الواقع.
القانون الدولي كان وسيظل منارة الأمل الوحيدة لتنظيم العلاقات البشرية. ولكن، لكي يستعيد هذا القانون هيبته ومصداقيته، يبقى التحدي الأكبر أمام المجتمع الدولي هو النضال المستمر من أجل تطبيق قواعده بإنصاف، ومساواة تامة على جميع الدول دون تمييز أو استثناء.
0 تعليقات